عبد الشافى محمد عبد اللطيف

340

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

ثانيا : الأمر الثاني الذي يكاد يجمع عليه مؤرخو الفتح الإسلامي للأندلس وهو ذو علاقة بالأمر الأول ، سرعة الفتح وسهولته ، فبينما أخذ فتح شمال إفريقيا نحو سبعين عاما من العرب لم يستغرق فتح الأندلس بكاملها تقريبا سوى ثلاث سنوات ( 92 - 95 ه / 711 - 714 م ) وهذه عجيبة من عجائب التاريخ ، ولم ينافس الأندلس في سرعة وسهولة فتحها سوى الفتح الإسلامي لمصر ، فقد استغرق هو أيضا نحو ثلاث سنوات ( 18 - 21 ه / 639 - 642 م ) والسبب في ذلك تشابه الظروف في كل من مصر والأندلس ؛ فكما كانت الأندلس تعاني من مفاسد ومظالم الحكم القوطي ، كذلك كانت مصر تعاني من مفاسد ومظالم الحكم البيزنطي ؛ الأمر الذي سهل مهمة المسلمين في فتح مصر . ثالثا : الأمر الثالث الذي يكاد يجمع عليه مؤرخو الفتح الإسلامي للأندلس أن الفاتحين كانوا رحماء مع أهل الأندلس وعاملوهم بكل احترام وتسامح ، وطبقوا معهم نفس السياسة التي اتبعوها مع كل البلاد التي فتحوها ، فقد تركوا لهم أموالهم وكنائسهم وقوانينهم ، وحق المقاضاة إلى قضاة منهم ، ولم يفرضوا سوى جزية ضئيلة فرضي بذلك سكان أسبانيا طائعين وخضعوا للعرب دون مقاومة ، ولم يبق على العرب إلا أن يقاتلوا الطبقة الأرستقراطية المالكة للأرضين « 1 » . ولا بأس أن نؤكد هذا بما ذكره السيرتوماس أرنولد حيث يقول « 2 » : « وإن سياسة التسامح الديني الذي سارت عليه الحكومة الإسلامية نحو رعاياها المسيحيين في أسبانيا ، وحرية الاختلاط بين المتدينين قد أدت إلى شيء من التجانس والتماثل بين الجماعتين وقد كثر التصاهر بينهم ، حتى أن أيذيدور الباجي قد دوّن مسألة زواج عبد العزيز بن موسى بن نصير من أرملة روذريق Rodrigo دون أن يذكر كلمة واحدة يستنكر فيها هذا الفعل ، هذا إلى أن كثيرين من المسيحيين قد تسموا بأسماء عربية ، وقلدوا جيرانهم المسلمين في إقامة بعض النظم الدينية ، فاختتن كثير منهم ، وساروا وفق المسلمين في أمور الطعام والشراب ، وأن إطلاق لفظ مستعربين على الأسبان المسيحيين الذين عاشوا في ظل العرب ليدل دلالة ظاهرة على مدى الميول والاتجاهات التي كانت تعمل بنشاط وهمة في هذا السبيل ، فسرعان ما أخذت دراسة اللغة العربية تحل محل اللاتينية في جميع أرجاء البلاد » ا . ه .

--> ( 1 ) جوستاف لوبون - حضارة العرب ( ص 266 ، 267 ) . ( 2 ) الدعوة إلى الإسلام ( ص 159 ، 160 ) .